محمد أمين المحبي
42
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
فما قصرت له في أمر يدان ، وعنده انطفا قنديل سعدان . فبوجهه مرآة النهار تصقل ، ولديه تربط الأماني وتعقل . وله في الصدارة تثبّت الجبال ، والاستقلال الذي ينسي الماضي منه الاستقبال . فلو لا مهابته إذا أقبل ، لانتظمت على أذياله القبل « 1 » . وكان دخل الشام حاجّا فابتهجت بأضواء سعادته ، وقارنت السعد الأكبر في بدء أمره وإعادته . وفي رجعته إليها قابله البريد بمنصب الفتيا ، ودعاه الدهر إلى هذا المقام الذي وقفت عنده العليا . فنادته المعالي لبّيك وسعديك ، واليمن والنّجح كما تشاء في يديك . ولم يزل في هذا المركز حائزا رتب الكمال ، وعلى مشرع مجده تحوم طيور الآمال . إلى أن وقعت فتنة بين العسكر ، اغبرّ لها أفق الكون وتعكّر . ثم انتهت إلى قتل السلطان عثمان ، فانحرف عنه وعن آل بيته الزمان . ولم يطل به العمر حتى طلحه وأنضاه « 2 » ، وأغمده في قراب القبر الذي انتضاه . فلا زالت رحمة الله وبركاته ، تحيّيه ما دامت تقلّ الفلك حركاته . وقد أوردت من شعره قطعة خضع لها البيان وسلّم ، وهي قوله في التوسّل بصاحب الشفاعة صلّى اللّه عليه وسلم : [ الرمل ] يا رسول اللّه أنت المقصد * أنت للرّاجين نعم المسند كلّ من ناداك فيما نابه * فاز بالإسعاد فيما يقصد قد أتى مستغفرا مستشفعا * عبدك المسكين هذا أسعد مستغيثا شاكيا من نفسه * باكيا مما جنت منه اليد منك فتح الباب أرجو ضارعا * قارعا أبواب فضل ترصد منك يا غيث النّدى أرجو الهدى * إن في الأحشاء نارا توقد مسّني ضرّ وكرب مزعج * في الليالي بالتّوالي أسهد طال أيام التنائي والأسى * يا طبيب القلب أنت المنجد يا حبيب القلب بالله الذي * غيره سبحانه لا يعبد بالذي أعطاك قدرا عاليا * ما لمخلوق إليه مصعد
--> ( 1 ) القبل : في الأصل إقبال إحدى الحدقتين على الأخرى . ا . ه اللسان مادة ( قبل ) واستعاره هنا إلى اقبال العيون إلى المذكور . ( 2 ) طلحة : أتعبه وأعياه . اللسان ( طلح ) . أنضاه : انتضا ، السيف : أخرجه من الغمد . ا . ه اللسان ( نضا ) .